Wednesday, 2017-08-16, 8:30 PM
 

كيف وصل القرآن إلينا

كيف وصل القرآن إلينا

1. تدوين القرآن

أول وآخر ما نزل من القرآن الكريم:
أول ما نزل من القرآن الكريم -كما هو معلوم- قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} العلق1، وهو في ترتيب المصحف في جزء عمّ.


وآخر ما نزل هو قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} البقرة281، وقال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: ضعها على رأس مئتين وثمانين من البقرة؛ فلو فتحنا المصحف على سورة البقرة > الآية 281 > نجد قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. 


طرق تبليغ القرآن الكريم: النبي صلى الله عليه وسلم بلغنا القرآن الكريم بطريقين: 


الطريق الأول: النص المكتوب. 
الطريق الثاني: النقل الصوتي للقرآن العظيم. 



◄كيف تم النقل والتبليغ الكتابي: 


1. ينزل مقطع من المقاطع القرآنية على رسول الله صلى الله عليه وسلم 
2. يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم من حضره من الكتبة الذين يجيدون الكتابة من أصحابه {... وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ...} أربعة خمسة سبعة بحسب المتاح وبحسب الوقائع التي كانت تنزلُ بسببها الآياتِ الكريمة-فالصحابة الكرام كان من يتقن الكتابة منهم عدد محدود؛ لأنّ العرب أمّةً أمّيةً يَنْدرُ فيهِم من يعرفُ الكتابة. 


3. يكتب الصحابة أمامه صلى الله عليه وسلم المقطع الذي أنزل عليهوالوحي حاضر في المكان الذي أنزلت فيه الآيات.


◄ كيف تم النقل والتبليغ الصوتي للقرآن العظيم: 
1. تلفظ النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن العظيم ونطقه أمام أصحابه من يعرف الكتابة منهم ومن لا يعرف.
2. كانوا يسمعون منه -بأبي هو وأمي-. ويعيدون فيسمع هو منهم. 
3. فمن قرأ قراءة صحيحة أقره صلى الله عليه وسلم.
4. ومن كان عنده خلل صحح له صلى الله عليه وسلم تلاوته.
5. ثم انتشر الصحابة وصاروا يعلمون غيرهم من الصحابة أو يعلمون بعد رسول الله الجيل الذي بعدهم وهو جيل التابعين. 



إذن: بلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم مكتوباً ومنطوقاً بالصوت المسموع، وقد وصلنا القرآن العظيم في هذا العصر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكثر من ألف وأربعمئة من السنين متواتراً بهذيْن الأسلوبيْن. 
 

◄ معنى التواتر، وكلمة متواتر: 


التواتر: هو أن يكون هناك خبر من الأخبار القرآن العظيم أو غيره -فنحن نتكلم عن التواتر بشكل عام- عندما نقول: هذا أمر متواتر؛ فمعنى هذا: أن يكون هناك حَدَث أو أمر أو خبر في زمن ما وصل إلينا في زمننا بطريق مأمون من التغيير والتبديل. وكيف يكون ذلك؟ 


أن ينقل هذا الخبر من جيل إلى جيل إلى جيل إلى عصرنا طبقة بعد طبقة بعد طبقة من أول الإسناد إلى آخره، ليس فرد واحد وليس فردان بل طبقة، أي عشرة عشرين خمسين في طبقة، ثم الطبقة التي بعدهم كذلك بحيث يُحِيل العقل أن يكون كل هؤلاء الرواة اتفقوا على الكذب؛ فإذا أحال العقل اتفاق الرواة على الكذب -عدول ثقات عرفت أمانتهم وحرصهم ودأبهم- وقد بلغنا كتاب ربنا والحمد لله بهذا الطريق من عهد رسول الله إلى عهدنا هذا > طبقة بعد طبقة عُرفوا بالأمانة والعدل والثقة. 



وهذه ميزة للقرآن الكريم لم تحصل لأي كتاب > هناك سلاسل؛ فكل إنسان من أهل القرآن المعاصرين له أستاذ أقرأه فلما ينتهي من القراءة على أستاذه ويشهد له أستاذه على صحة الأداء من أول القرآن إلى آخره حرفاً حرفاً؛ فإذا انتهى من ذلك يقول له أستاذه: أجزتك أن تَقرأ وتُقرِئ. أجزتك: سمحت لك وأنا أشهد أن قراءتك متقنة مئة بالمئة، ومطابقة لقراءتي على شيخي، ويخبره بالسند فيقول: قد تلقيت القرآن على أستاذي فلان وفلان تلقاه على فلان، ولكل من شيوخ الأرض إسناد متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتوسط ما بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بحدود 27، 28، 29 شيخ. 


◄ كيف تم الأمر الكتابي: 


* في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: 


من المعلوم أن العرب كانوا أمة أمية يندر فيهم من يعرف الكتابة وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه مقطع من المقاطع القرآنيه:


1- دعا من حضره ممن يجيد الكتابة وقليل ما هم -ممكن يكونوا خمسة أو أربعة أو أقل أو أكثر- بحسب الوقائع التي كانت تنزل بسببها الآيات الكريمة. 
2- فيدعو من حضره من الكتبة فيكتبون أمامه صلى الله عليه وسلم والوحي حاضر. 
3- فإذا انفض المجلس انفض النبي صلى الله عليه وسلم والوحي راض عن تلك القطع التي كتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الأمر هكذا إلى أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وآل الأمر إلى أبي بكر رضي الله عنه.

* في عهد أبي بكر رضي الله عنه:



ما الذي دعا أبو بكر رضي الله عنه لجمع القرآن؟


* في حروبِ الرّدَّة كان القرّاء يتسابقون إلى قتال المُرتدين.
* فَكَثُرَ القتل فيهم فخاف سيدنا عمرعلى ضياعِ القرآن المكتوب؛ أي على ضياع القطع الأصلية التي كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* فعرض على سيدنا أبو بكر فكرة جمعِ القرآن وجمعِ تلك القطع واستنساخ نسخة تعتبر الأم والأصل لتكون مرجعاً للمسلمين.

بعد أخذٍ ورد، شرَحَ الله سيدنا أبو بكر لذلك ودعا كاتباً من كتبة الوحي العظام الذين كانوا يكتبون بين يدي رسول الله وهو سيدنا زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
* وطلب سيدنا أبو بكر من سيدنا زيد بن ثابت الأنصاري أن يتتبع القرآن (تلك القطع التي كتبت على يد رسول الله) فيجمعها ويفرغها في مصحف واحد.
فشرحَ الله صدر سيدنا زيد بن ثابت وقام بتلك العملية الشاقة التي هو قال عنها: (والله لو كلفاني -أي سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر- نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليّ مما كلفاني به). 
* فتتبع سيدنا زيد تلك القطع بطريقة فيها احتياطٌ كبير:
1. أعلن بين الصحابة من كان عنده شيء من القطع التي كُتِبَت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأتني بها.
2. فصار الصحابة يأتون إليه بما عندهم من تلك القطع.
3. فيقول للآتي: أعندك غيرك يشهد أن هذه القطعة كُتِبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن كان هناك شاهد ثانٍ على تلك القطعة بعينها أخذها وإلا تركها. 


وهذه القصة مما يدل على مدى الاحتياط في جمع القرآن

بهذا الاحتياط الجليل جمع سيدنا زيد القرآن كله إلا آيتين كريمتين وجدهما عند سيدنا أبي خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، وهذا الصحابي كان صلى الله عليه وسلم قد جعل شهادته بشهادة رجلين فقال: "من شهد له خزيمة فهو حسبه" أي: يكفيه، فوجد عنده آيتين كريمتين لم يجدهما عند غيره مكتوبتين وأؤكد على موضوع مكتوبتين ليس منطوقتين ومحفوظتين في الصدور. ولو أنك دخلت إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت من يحفظ..
.
لو أنك دخلت إلى مسجدِ رسول الله وقلتَ من يحفظ {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} التوبة128، أو من يحفظ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}الأحزاب23؛ لارتفعت أيدٍ لا يحصيها إلا الله كثرةً، أما من حيث الكتابة فلم يجد هاتين الآيتين مكتوبتين إلا عند سيدنا خزيمة بن ثابت, فقال له: هل عندك غيرك يشهد أن هاتين القطعتين كُتِبَتا بين يدي رسول الله ؟ فقال: ما عندي غيري فقبلهما منه لأن رسول الله جعل شهادته بشهادتين.
* فقام سيدنا زيد بتفريغ الكتابة الموجودة بتلك القطع في مصحفٍ واحد، عملية تفريغ بحت ليس لسيدنا زيد فيها أي اجتهاد وإنما فرّغَ ما رأى أمامه. 
هكذا صار عندنا مصحف عُرِف بين العلماء بالمصحف الصّديقيّ ووافق المحفوظ وضبط المحفوظ؛ فهذا المصحف الصديقي أو تلك الصحف الصديقية -نسبة إلى سيدنا أبي بكرٍ الصديق-:
* بقيت عند سيدنا أبي بكر.
* وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى رضي الله عنه انتقل الأمر إلى سيدنا عمر بن الخطاب وبقيت تلك الصحف عنده مدة خلافته عشر سنين.
* ثم بعد استشهاده رضي الله عنه آلت إلى ابنته أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما .
* في عهد عثمان رضى الله عنه:



وقفنا سابقاً عند وصول المصحف الصديقي الذي كتب في عهد سيدنا أبي بكر الصديق, والذي كتبه سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه ووصول هذا المصحف إلى زمن سيدنا عثمان رضي الله عنه، 


ما الذي دعا سيدنا عثمان رضى الله عنه لنسخ الصحف الصديقية مرة أخرى؟


في زمن سيدنا عثمان اتسعت رقعة الفتوحات الإسلامية ووصل المسلمون إلى أرمينيا وأذربيجان فحدث أن هناك التقى جيشان عظيمان من جيوش المسلمين: جيش قادم من العراق، وجيش قادم من الشام. 
وكان في هذا الجيش بعض التابعين وعدد من الصحابة... كان فيهم عدد من التابعين الذين تلقوا عن الصحابة. 
وهؤلاء لم يكونوا على درجة واحدة من الإتقان .... سمع بعضهم من تلاوة بعض قرأ بعضهم "وأتموا الحج والعمرة للبيت" فقال له الثاني: بل يقول الله: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ...}ويرد أحدهم على الآخر بأن قراءته أصح. 
وكان من بين الموجودين سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه"صاحب سر رسول الله" وكان يمتاز رضي الله عنه ببعد النظر فقد كان يقول عن نفسه: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وأسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه، وكان رضي الله عنه حسي مستقبلي. 
فلما سمع ذلك سيدنا حذيفة هاله الأمر فترك المنطقة وعاد إلى المدينة وقال لخليفة المسلمين سيدنا عثمان رضي الله عنه: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. 




ماذا فعل عثمان رضى الله عنه ليدرك هذا الإختلاف:


1- دعا سيدنا عثمان سيدنا زيد وكان ما زال حياً، وأرسل إلى سيدتنا حفصة رضي الله عنها، وكانت الصحف الصدّيقية ما تزال عندها لأنها بنت سيدنا عمر وكانت الصحف عند سيدنا عمر رضي الله عنه في خلافته. فقال لها أرسلي لنا الصحف؛ فأرسلتها. 
2- وطلب من سيدنا زيد بعد أن شكّل له لجنة تقوم بمساعدته في الكتابة، وكانوا كلهم قرشيون إلاّ سيدنا زيد رضي الله عنه كان من الأنصار.
3- فقال له انسخ من هذا المصحف الموثق عدة مصاحف. 
- حتى نرسلها إلى الأمصار.
- وتكون هذه المصاحف أئمة للناس يقتدون بها في قراءتهم.
4- فنسخ سيدنا زيد عدة مصاحف، ومن المعلوم أنه هو نفسه نسخه في عهد سيدنا أبي بكر الصديق من الصحف التي كتبت بين يدي الرسول عليه السلام. فهذه مراحل مبنية بعضها على بعض ليس فيها اختراع ولا ابتكار وليس فيها شيء من عند أنفسهم. لذلك نجد في كتابة الصحف أمور نتوقف فيها ونقول: الله أعلم بمراده.
5- كتب سيدنا زيد وتلك اللجنة الصحف ودققوها وضبطوها ضبطاً تاماً, فهم أحرص الناس على كلام الله عز وجل.
6- قام سيدنا عثمان بإرسال مصحف إلى كل مصر كبير من الأمصار, وأرسل قارئاً متقناً يقرأ الناس بما في ذلك المصحف. 
أرسل الصحف إلى الكوفة, البصرة, الشام, مكة, اليمن, البحرين. وأبقى في المدينة مصحفين لعامة المسلمين ونسخة خاصة عنده. إذ هو أمير المؤمنين فعليه أن يحتفظ بنسخة موثقة.
7- وطلب من الناس أن يعرضوا ما عندهم من قرآن مكتوب -الله أعلم بحاله لأنه غير مراقب- على هذه النسخة المراقبة المعروفة الأصل، إذ هي مكتوبة من الصحف الصديقية والصحف الصديقية مكتوبة من القطع التي كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
هكذا فعل سيدنا عثمان رضي الله عنه وهذه هي الوسيلة التي ألهمه الله لفعلها. 


كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول: "لو وليت من المصاحف ما ولّي عثمان لصنعت ما صنع" وهذا أيضاً ما انعقد عليه إجماع الصحابة وأقروا على ما فعل سيدنا عثمان رضي الله عنه.. وصارت هذه المصاحف إماماً يقتدى به. 


لماذا سميت هذه المصاحف بالمصحف الإمام: 


لأن الإمام هو الذي يقتدى به في الصلاة, فكل مصحف من تلك المصاحف اقتدى الناس فيه فعرضوا ما في أيديهم عليه فما وافق أبقوه وما خالف أتلفوه وأحرقوه حتى يبقى نقياً عن أي لبس أو أي تغيير. 


وانتشر من تلك المصاحف العثمانية مالا يحصيه كثرة وسبحان الرحمن ميسر الأمور, ودائماً في المصاحف من ضبطها منذ عهد عثمان إلى اليوم نجد علماء موثوقين تشكل لجنة ليس من شخص واحد. 


مثلاً: في مصحف المدينة "ص ك آخرها وص و" تجد أسماء العلماء الذين قاموا بالتدقيق والضبط. وكذلك المصاحف المطبوعة في مصر والشام.


هذه المصاحف لم تترك لجهد فرد واحد تأسياً بجهد سيدنا عثمان رضي الله عنه.


نسمع كثيراً المصاحف العثمانية. وهذا نسبة إلى المصحف الذي جمع في عهد عثمان وأمر بنسخها, وبقيت تلك الصاحف منسوبة إلى تلك النسخة التي نسخت بأمره. 


وهذه المصاحف التي نسخت في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه وبثت في الأمصار الإسلامية حيث كان فيها جماعة من الصحابة والتابعين، فكان فيهم قراء التقى فيها المتلو مع المكتوب؛ فتوافق الحفظ مع ما كتب مجمعاً عليه. 


كنا قد تحدثنا بأن سيدنا عثمان ( رضي الله عنه ) ألهمه الله عز وجل فأطفأ تلك الفتنة التي كادت أن تحدث بأن أرسل إلى التجمعات البشرية التي تسمى بالأمصار –أمصار المسلمين– أرسل إليهم نسخاً موثقة من المصحف الصديقي الذي كتبه سيدنا زيد في زمن الصديق رضي الله عنه عن القطع التي كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأرسل مع كل مصحف مقرئ يقرئ الناس فصار الناس ينسخون من تلك المصاحف الأمهات وانتشرت مصاحف صحيحة -الله أعلم كم- فلا يحصيها أحد.


ما الذي فعله علماؤنا للعناية بتلك المصاحف الأمهات:


لكن علماؤنا أيضاً جزاهم الله خيراً من جملة عنايتهم بالقرآن: 


1- خافوا على تلك المصاحف الأمهات من عواد الزمن فممكن أن يحرق بعضها أو يتلف بسبب تقدم السنين أو يسرق أو أي أمر من الأمور الأخرى فقالوا إن ما كتب في تلك المصاحف أحد أمرين:
- إما أمر اعتاده الناس في الإملاء العادي. 

- أو أمر اختصت به كتابة المصحف الشريف.
2- أما ما توافق فيه كتابة المصحف ما اعتاده الناس من الإملاء فلا حاجة للتأكيد عليه لأنه كذلك، 
ولكن ما خالف ما اعتاده الناس من الإملاء هنا قام علماؤنا: 




3- بتتبع المصاحف التي أرسلها سيدنا عثمان فتتبعوا ما كتب فيها فما خالف ما اعتاده الناس من الإملاء ضبطوه وجمعوه وبوبوه. 


4- و بدأ يظهر في العالم الإسلامي تآليف في علم ناشئ سموه علم رسم المصاحف,


فبدأت تظهر فيه مؤلفات (ككتاب المقنع لأبي عمرو الداني رحمه الله, وكمنظومة عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد للإمام الشاطبي, وككتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل لأبي داوود سليمان بن نجاح). 



ومن كتب المتأخرين (كتاب إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة رسم وضبط الكتاب المبين للشيخ أبي عيد المخللاتي, وكتاب سمير الطالبين للشيخ على محمد الضباع رحمه الله شيخ عموم المقارئ المصرية الأسبق). 


وهكذا ضبط علماؤنا هذا الأمر ضبطاً كاملاً وما خشيه علماؤنا قد حدث فإن عواد الزمن قد أتت على تلك المصاحف العثمانية فاحترق بعضها وغاب بعضها ولم يبق إلا ما دونه علماؤنا من أوصاف تلك المصاحف وما نسخ منها وما نسخ من تلك المصاحف. 



وهذا أمر تواتر ولم يعد هناك مجال لأن يأتي إنسان فيزيد في القرآن حرفاً أو ينقص منه حرفاً -ما في مجال لذلك أبداً- فلو اجتمع أهل الكرة الأرضية كلهم لن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك لما قام به علماؤنا من الضبط العظيم لكتابة المصحف الشريف فالحمد لله أننا نمسك المصحف بأيدينا ونحن واثقون أن هذا المكتوب بين أيدينا هو كلام الله وهو الذي دون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طرأ عليه أدنى زيادة ولا حرف واحد ولا نقص منه حرف واحد فلله الحمد والمنة على هذه النعمة العظيمة التي لا تكاد بل لا توجد عند أمة من الأمم ولا في كتاب سماوي و لا غير سماوي. 




فاللهم أدم علينا نعمة القرآن العظيم